ابن كثير

240

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ النساء : 141 ] ، وقال تعالى : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ [ المائدة : 52 ] وقال تعالى مخبرا عنهم هاهنا : وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ثم قال اللّه تعالى : أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ أي أوليس اللّه بأعلم بما في قلوبهم وما تكنه ضمائرهم ، وإن أظهروا لكم الموافقة . وقوله تعالى : وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ أي وليختبرن اللّه الناس بالضراء والسراء ، ليتميز هؤلاء من هؤلاء ، من يطيع اللّه في الضراء والسراء ، ومن إنما يطيعه في حظ نفسه ، كما قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ محمد : 31 ] ، وقال تعالى بعد وقعة أحد التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ آل عمران : 179 ] الآية . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 12 ) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ( 13 ) يقول تعالى مخبرا عن كفار قريش أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى : ارجعوا عن دينكم إلى ديننا ، واتبعوا سبيلنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ أي وآثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك علينا وفي رقابنا ، كما يقول القائل : افعل هذا وخطيئتك في رقبتي ، قال اللّه تعالى تكذيبا لهم وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي : فيما قالوه إنهم يحتملون عن أولئك خطاياهم ، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد ، قال اللّه تعالى : وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [ فاطر : 18 ] وقال تعالى : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ [ المعارج : 10 - 11 ] . وقوله تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة ، أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأوزارا أخر بسبب ما أضلوا من الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا ، كما قال تعالى ، لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ النحل : 25 ] الآية ، وفي الصحيح « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من آثامهم شيئا » « 1 » . وفي الصحيح « ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في العلم حديث 15 ، 16 ، وأبو داود في الصلاة باب 51 ، والسنة باب 6 ، والترمذي في العلم باب 15 ، والنسائي في الإمامة باب 52 ، وابن ماجة في المقدمة باب 14 ، 15 ، والتجارات باب 56 ، ومالك في القرآن حديث 41 ، وأحمد في المسند 2 / 380 ، 397 ، 505 ، 521 ، 6 / 44 .